ابن أبي الحديد
235
شرح نهج البلاغة
الزبير راجعا إلى أصحابه نادما واجما ، رجع علي عليه السلام إلى أصحابه جذلا مسرورا ، فقال له أصحابه : يا أمير المؤمنين ، تبرز إلى الزبير حاسرا ، وهو شاك في السلاح ، وأنت تعرف شجاعته ! قال : إنه ليس بقاتلي ، إنما يقتلني رجل خامل الذكر ، ضئيل النسب ، غيلة في غير مأقط ( 1 ) حرب ، ولا معركة رجال ، ويلمه أشقى البشر ! ليودن أن أمه هبلت به ! أما إنه وأحمر ثمود لمقرونان في قرن ! * * * لما انصرف الزبير عن حرب علي عليه السلام ، مر بوادي السباع ، والأحنف ابن قيس هناك في جمع من بنى تميم قد اعتزل الفريقين ، فأخبر الأحنف بمرور الزبير ، فقال رافعا صوته : ما أصنع بالزبير ! لف غارين ( 2 ) من المسلمين ، حتى أخذت السيوف منهما مأخذها ، انسل وتركهم . أما إنه لخليق بالقتل ، قتله الله ! فاتبعه عمرو بن جرموز - وكان فاتكا - فلما قرب منه وقف الزبير ، وقال : ما شأنك ؟ قال : جئت لأسألك عن أمر الناس ، قال الزبير : إني تركتهم قياما في الركب ، يضرب بعضهم وجه بعض بالسيف . فسار ابن جرموز معه ، وكل واحد منهما يتقى الآخر . فلما حضرت الصلاة ، قال الزبير : يا هذا ، إنا نريد أن نصلى . فقال ابن جرموز : وأنا أريد ذلك ، فقال الزبير : فتؤمني وأؤمنك ؟ قال : نعم ، فثنى الزبير رجله ، وأخذ وضوءه . فلما قام إلى الصلاة شد ابن جرموز عليه فقتله ، وأخذ رأسه وخاتمه وسيفه ، وحثا عليه ترابا يسيرا ، ورجع إلى الأحنف ، فأخبره ، فقال : والله ما أدرى أسأت أم أحسنت ؟ اذهب إلى علي عليه السلام فأخبره ، فجاء إلى علي عليه السلام ، فقال للآذن : قل له : عمرو بن جرموز بالباب ومعه رأس الزبير وسيفه ، فأدخله . وفي كثير من الروايات أنه لم يأت بالرأس بل بالسيف ، فقال له : أنت قتلته ؟ ! قال : نعم ، قال : والله ما كان ابن صفية جبانا ولا لئيما ، ولكن الحين ومصارع السوء ،
--> ( 1 ) المأقط : ساحة القتال . ( 2 ) الغار هنا : الجيش ، وفى اللسان 6 : 34 : " جمع غارين " .